سلسلة "فِي رِحَابِ السُّنَّةِ
- Sarmad Media Inc.
- 5 days ago
- 4 min read
مجمع الفقـــه الإســـلامي بكندا is with أ.د جمال الأكشة.

·
#سلسلة "فِي رِحَابِ السُّنَّةِ"
الصَّدَقَةُ في وَقْتِ صِحَّةِ الإنْسَانِ وسَلَامَتِهِ أفضلُ مِن الوَصِيَّةِ:
(١)روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال:"قال رَجُلٌ للنَّبيِّ ﷺ: يا رَسولَ اللهِ ، أيُّ الصَّدَقةِ أفضَلُ؟ قال: أن تَصَدَّقَ وأنتَ صَحيحٌ حَريصٌ ، تَأمُلُ الغِنى ، وتَخشى الفَقرَ ، ولا تُمهِلْ حتّى إذا بَلَغَتِ الحُلقومَ قُلتَ: لفُلانٍ كَذا ، ولِفُلانٍ كَذا ، وقد كان لفُلانٍ".
أخرجه البخاري (٢٧٤٨) ، ومسلم (١٠٣٢).
(٢)كما روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال:"جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال: يا رَسولَ اللهِ ، أيُّ الصَّدَقةِ أعظَمُ أجرًا؟ فقال: أما وأبيكَ لَتُنَبَّأنَّه: أن تَصَدَّقَ وأنتَ صَحيحٌ شَحيحٌ ، تَخشى الفَقرَ ، وتَأمُلُ البَقاءَ ، ولا تُمهِلَ حتّى إذا بَلَغَتِ الحُلقومَ ، قُلتَ: لفُلانٍ كَذا ، ولفُلانٍ كَذا ، وقد كان لفُلانٍ".
وفي روايةٍ: "غيرَ أنَّه قال: أيُّ الصَّدَقةِ أفضَلُ".
أخرجه البخاري (١٤١٩) ، ومسلم (١٠٣٢).
(٣)وروي أيضا عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:" مثَلُ الذي يَعتِقُ ويتصدَّقُ عند موتِه مثلَ الذي يُهدي إذا شبِع".
أخرجه أبو داود (٣٩٦٨) ، والترمذي (٢١٢٣)وقال عنه: حسن صحيح ، والنسائي (٣٦١٤) ، وأحمد (٢١٧١٨) باختلاف يسير ، وقال عنه ابن حجر العسقلاني في فتح الباري(٤٤٠/٥):إسناده حسن ، وقال عنه الشوكاني في نيل الأوطار(١٤٧/٦):إسناده حسن.
(٤)كما روي عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:" لأنْ يَتصَدَّقَ الرَّجلُ في حياتِه بدِرهمٍ خَيرٌ من أنْ يَتصَدَّقَ بمئةِ دِينارٍ عندَ مَوتِه".
أخرجه أبو داود (٢٨٦٦) ، وابن حبان (٣٣٣٤) باختلاف يسير.
شرح الحديث:
في الحديث الأول يَروي أبو هُرَيرةَ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ رجُلًا جاء إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فسَأله: أيُّ الصَّدَقةِ أَعْظَمُ أجْرًا وأكثَرُ نفعًا لصاحِبِها؟ فأخبَرَه النَّبِيٌّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه ما يَتصَدَّقُ بها الإنسانُ وهو صحيحٌ ليس فيه مرَضٌ أو عِلَّةٌ تقْطَعُ أمَلَه في الحياةِ ، وهو وقتٌ يُصادِفُ مَن يكونُ مِن شأنِه الشُّحُّ ، وهو البُخلُ مع الحِرصِ ، ويَخافُ مِن الوُقوعِ في الفَقرِ ، ويَأْمُلُ الغِنَى ويَرجوه ويَطمَعُ فيه لِنفْسِه ، وهذا في فَترةِ الحياةِ كلِّها ، وخاصَّةً وقْتَ الرَّغدِ والنَّعيمِ ، فيَكونُ الإنسانُ أكثَرَ حِرصًا ، فإذا تصَدَّق مع كلِّ هذه المَوانعِ والمُغرياتِ الَّتي تَحُثُّه على حِفظِ المالِ فذلك أعظَمُ أجرًا ، ثمَّ حذَّره النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن آفةٍ تُصيبُ كثيرًا مِن النَّاسِ ، وذلك بأنَّ يَنتظِرَ ويَتمهَّلَ ويؤخِّرَ التصَدُّقَ ، حتَّى إذَا بَلَغَت رُوحُه الحُلْقُومَ، وشعَرَ بقُربِ المَوتِ ، وتأكَّدَ أنَّ المالَ لن يَنفَعَه ، وأنَّه سيَترُكُه ، أَوْصى لِفُلَانٍ بكذا ، ولِفُلانٍ بكذا ، وأخبَرَ أنَّه قدْ كان لِفُلانٍ مِن الدُّيونِ أو الحُقوقِ ، وقد أصبَح المالُ مِلكًا للورَثةِ ، فهذا أقَلُّ أجرًا.
فبيَّنَ لنا النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ أفضَلَ الصَّدقةِ أن تَتصدَّقَ حالَ حياتِك وصحَّتِك ، مع احتياجِك إلى المالِ واختصاصِك به ، لا في حالِ سقَمِك وسياقِ مَوتِك ؛ لأنَّ المالَ حينَئذٍ خرَج عنك وتعلَّقَ بغيرِك.
قال النووي رحمه الله تعليقا على هذا الحديث - حديث أبي هريرة الأول - :
"قال الخطابي : الشح أعم من البخل ، وكأن الشح جنس والبخل نوع ، وأكثر ما يقال البخل في أفراد الأمور ، والشح عام كالوصف اللازم وما هو من قبل الطبع قال : فمعنى الحديث أن الشح غالب في حال الصحة ، فإذا شح فيها وتصدق كان أصدق في نيته وأعظم لأجره ، بخلاف من أشرف على الموت وآيس من الحياة ورأى مصير المال لغيره فإن صدقته حينئذ ناقصة بالنسبة إلى حالة الصحة ، والشح رجاء البقاء وخوف الفقر .
(وتأمل الغنى) بضم الميم أي تطمع به.
ومعنى (بلغت الحلقوم): بلغت الروح ، والمراد قاربت بلوغ الحلقوم إذ لو بلغته حقيقة لم تصح وصيته ولا صدقته ولا شيء من تصرفاته باتفاق الفقهاء .
وقوله صلى الله عليه وسلم : (لفلان كذا ولفلان كذا ألا وقد كان لفلان) قال الخطابي : المراد به الوارث ، وقال غيره: المراد به سبق القضاء به للموصى له ، ويحتمل أن يكون المعنى أنه قد خرج عن تصرفه وكمال ملكه واستقلاله بما شاء من التصرف فليس له في وصيته كبير ثواب بالنسبة إلى صدقة الصحيح الشحيح".
شرح النووي على صحيح مسلم(١٠٠/٧).
وقال ابن حجر العسقلاني رحمه الله:
"قوله :(قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان) الظاهر أن هذا المذكور على سبيل المثال ، وقال الخطابي : فلان الأول والثاني الموصى له وفلان الأخير الوارث ؛ لأنه إن شاء أبطله وإن شاء أجازه ، وقال غيره : يحتمل أن يكون المراد بالجميع من يوصى له وإنما أدخل " كان " في الثالث إشارة إلى تقدير القدر له بذلك ، وقال الكرماني : يحتمل أن يكون الأول الوارث والثاني المورث والثالث الموصى له.
قلت : ويحتمل أن يكون بعضها وصية وبعضها إقرارا ، وقد وقع في رواية ابن المبارك عن سفيان عند الإسماعيلي " قلت اصنعوا لفلان كذا وتصدقوا بكذا " ووقع في حديث بسر بن جحاش وهو بضم الموحدة وسكون المهملة وأبوه بكسر الجيم وتخفيف المهملة وآخره شين معجمة عند أحمد وابن ماجه وصححه واللفظ لابن ماجه {بزق النبي - صلى الله عليه وسلم - في كفه ثم وضع إصبعه السبابة وقال : يقول الله أنى يعجزني ابن آدم ، وقد خلقتك من قبل من مثل هذه ، فإذا بلغت نفسك إلى هذه - وأشار إلى حلقه - قلت : أتصدق ، وأنى أوان الصدقة} وزاد في رواية أبي اليمان {حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد ، فجمعت ومنعت ، حتى إذا بلغت التراقي قلت لفلان كذا وتصدقوا بكذا}.
أخرجه ابن ماجة (٢٧٠٧) واللفظ له ، وأحمد (١٧٨٤٤) ، والحاكم (٣٨٥٥) باختلاف يسير عن بسر بن جحاش القرشي.
وفي الحديث أن تنجيز وفاء الدين والتصدق في الحياة وفي الصحة أفضل منه بعد الموت وفي المرض ، وأشار - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك بقوله : " وأنت صحيح حريص تأمل الغنى إلخ " ؛ لأنه في حال الصحة يصعب عليه إخراج المال غالبا لما يخوفه به الشيطان ويزين له من إمكان طول العمر والحاجة إلى المال ، كما قال تعالى {الشيطان يعدكم الفقر الآية}[البقرة: آية ٢٦٨] ، وأيضا فإن الشيطان ربما زين له الحيف في الوصية أو الرجوع عن الوصية فيتمحض تفضيل الدقة الناجزة.
قال بعض السلف عن بعض أهل الترف : يعصون الله في أموالهم مرتين : يبخلون بها وهي في أيديهم يعني في الحياة ، ويسرفون فيها إذا خرجت عن أيديهم ، يعني بعد الموت".
فتح الباري بشرح صحيح البخاري(٤٤٠/٥)



Comments